التحويلات الطبية.. بين العدالة الصحية والاعتماد على الذات!

  • الجمعة 2022-01-21 - الساعة 11:43

عاد مجددا موضوع التحويلات الطبية، أو بالادق الانصاف والعدالة الصحية في الحصول على التحويلة، ومستوى الاعتماد على الذات في الرعاية الصحية، وبالأخص لمرضى الأمراض المزمنة وعلى رأسها مرض السرطان ليثير الجدل والنقاش،  سواء فيما يتعلق بعدم قبول دخول مرضى إلى بعض المستشفيات، لعدم وجود تحويلة طبية، أو لتراكم الالتزامات المالية للمستشفيات على وزارة الصحة، أو من خلال اثارة موضوع " مستشفى خالد الحسن" لأمراض السرطان، وبالتحديد أموال التبرعات التي تم جمعها لبناء المستشفى، والذي كان يعول عليه كثيرا من أجل تحقيق الاعتماد على الذات في علاج وفي التعامل مع مرضى السرطان من قبل القطاع الصحي الفلسطيني. 

وبكل صراحة وموضوعية، ورغم التطور ومحاولة الضبط والمأسسة، إلا أن موضوع التحويلات الطبية إلى خارج القطاع الصحي الفلسطيني، ما زال موضوعا مقلقا، ومربكا، ومكلفا، ويحتاج الى العناية والدراسة والمراجعة، وما زال المواطن العادي يشك أو لا يثق في الاجراءات وفي امكانية حصوله على تحويلة اذا احتاجها، وما زال هناك اعتقاد أن ذلك حكرا على جهات أو على أشخاص محددين متنفذين أو محسوبين على هذا أو ذاك،  وبالتالي ما زالت هناك الحاجة إلى الضبط، وإلى التوفير في هذه الفاتورة الأكثر تكلفة وأرهاقا لميزانية وزارة الصحة الفلسطينية، وكذلك الحاجة إلى توخي العدل والانصاف لمن يستحق، وإلى التوجه أكثر نحو زخم الاعتماد على الذات، من خلال الاستثمار أكثر وبشكل مستدام في إمكانيات وكفاءات وخدمات، يمكن من خلالها، التقليل من التحويلات الخارجية المكلفة.

وبشكل عام، لا ينكر أحد أن هناك تطورا متواصلا يحدث في القطاع الصحي في بلادنا، سواء من قبل القطاع العام أي وزارة الصحة، أو من قبل استثمارات ومشاريع القطاع الخاص،  وبأن هناك زخما جماعيا وتكاتف ودعوات من جهات مختلفة من أجل الارتقاء بهذا القطاع، سواء فيما يتعلق بإجراء العمليات او احضار الاجهزة او استخدام الخبرات، او فيما يتعلق بافتتاح مراكز صحية متخصصة، والهدف هو توفير الخدمة ذات الجودة المطلوبة للمواطن، وبأن يحصل عليها بشكل رخيص وسهل، وبالتالي التوفير عليه وعلى الحكومة من خلال التحويلات، سواء فيما يتعلق بالمال أو الوقت أو الجهد.   

ورغم التقدير لكل الجهود التي عملت من اجل تقدم وتحسن وتطوير في خدمات واجهزة ومعاملة القطاع الصحي في بلادنا، الا ان هناك الكثير الذي ما زلنا نحتاجه، والذي وفي ظل الامكانيات المحدودة، والظروف المعقدة، يمكن القيام به، من خلال سياسات ومن خلال تغيير ثقافة عمل، او من خلال تعديل في فلسفة الادارة، والاتجاه اكثر نحو سياسات واضحة تعتمد على الشفافية والنزاهة، واعادة تسخير المصادر حسب احتياجات المواطن الفلسطيني.

وموضوع التحويلات الطبية، أو بالأدق توخي الانصاف والنزاهة، والعدالة الصحية في هذا الصدد، هو ليس بالموضوع الجديد، حيث أثار وما زال يثير اللبس والالم في بعض الاحيان،  وقبل فتره كان هناك موضوع الجدال بين مستشفى المطلع الفلسطيني في مدينة القدس وبين وزارة الصحة الفلسطينية حول المستحقات المالية أو فواتير المستشفى المتعلقة بالتحويلات الطبية التي في غالبها للعلاج بالاشعة لمرضى السرطان أو للحصول على أدوية السرطان أو عدم توفرها، أثار ذلك اهتماما متزايدا حول مدى انتشار وتصاعد عدد ومستوى ونوعية مرض السرطان في بلادنا، والذي يشير وبوضوح الى تعمق هذا المرض بأنواعه في مجتمع لم يكن يعرف ذلك قبل عشر سنوات أو أكثر، وما ينتج عن ذلك من تبعات مالية واجتماعية وثقافية وصحية وما الى ذلك، وبالتالي الحاجة الى التوجه نحو توفير الامكانيات للاعتماد على الذات في هذا المجال.
وفي تقرير حديث حول موضوع التحويلات الطبية من وزارة الصحة الفلسطينية، كان واضحا أن مرض السرطان يستحوذ على حوالي 50% من مجمل التحويلات الطبية في بلادنا، وأن هذا المرض يودي بحياة حوالي 15% من مجمل الوفيات السنوية في الضفة وغزة، وأن هناك ازدياد مضطرد خلال السنوات الماضية، سواء فيما يتعلق بأعداد الاصابات بمرض السرطان أو بحالات الوفاة من المرض، وهذه المعطيات المقلقة، تتطلب ليس فقط العمل الجاد من أجل توفير العلاج من أدوية ومن عمليات جراحية وعلاج بالاشعة وما يتبعهما، ولكن البحث الجدي عن الاسباب الحقيقية الموضوعية لتصاعد انتشاره بهذه الصورة السوداء.  

ومن الاسئلة البديهية التي يسألها الناس، حين قراءة أو سماع المعطيات عن موضوع التحويلات الطبية، أو عن انتشار امراض السرطان عندنا وحديثا عن أموال تبرعات مستشفى خالد الحسن للسرطان، هو ما هي الاسباب ولماذا الآن وخلال الفتره القليلى الماضيى، اي ليس لماذ لم يكن ذلك قبل عشر او عشرين عاما، هل هناك عوامل بيئية او مسببات تتعلق بالغذاء او بطبيعة الحياة والعمل، وفي اي مناطق ينتشر السرطان، وما هي انواعه، ومن هم الفئات من الناس الاكثر اصابة به، أو الاكثر عرضا للاصابة والى غير ذلك من الاسئلة، التي من المفترض ان يتم الاجابة عليها، من خلال ابحاث علمية موضوعية تنبع من الواقع عندنا، وبالتالي وضع المقومات او العوامل لمنع الاصابة بأمراض السرطان من الاساس، او للحد منها او للتعامل معها، وذلك بالتوازي مع توفير الرعاية والعلاج والادوية لامراض السرطان المنتشرة الحالية.

ومع عودة الحديث عن دوامة موضوع التحويلات الطبية، وبالاخص عدم الانصاف في الحصول عليها، ومع بدء الجدل حول مصير تبرعات مستشفى خالد الحسن للسرطان، وبالتالي إمكانية فشل المشروع وما إلى ذلك من أحباط وتكلفة وتخبط، فإن القطاع الصحي في بلادنا  يحتاج الى التركيز على التخطيط لاستراتيجيات بعيدة المدى، تعتمد مبدأ الوقاية والتوعية كأولوية للحفاظ على الصحة العامة، وتركز على التطور النوعي وليس الكمي وبشكل مستدام في الرعاية الصحية الاساسية، اي الرعاية الاولية من عيادات ومختبرات وفحوصات وتأمين صحي وتطعيم وتثقيف والاعتماد على الذات.

ويحتاج كذلك الى ارساء فلسفة واسس نظام المتابعة والتقييم والمساءلة والتعلم بشكل ممنهج وموضوعي، والى تطبيق سياسات واضحة تقوم على مبدأي النزاهة والشفافية في قضية التحويلات الطبية وتعيد الثقة الى المواطن وفي الاتجاه الصحيح، لكي تتراكم الامور الايجابية التي نراها ونوثقها، ولكي يصبح القطاع الصحي، من القطاعات التي نفتخر ونثق بها، سواء من حيث خدمة المواطن ومن حيث توفر الكفاءات المتخصصة، او من حيث استعمال الاجهزة والمعدات الحديثة، او من حيث وجود انظمة ادارية توفر على المواطن الوقت والجهد والمال لكي يحصل على الخدمة، او من حيث وجود انظمة للمتابعة والتقييم تقيس الانجازات المحددة خلال فترة زمنية، بالاعتماد على معايير واهداف موضوعة اصلا، والاهم من خلال تطبيق مفهوم العدالة الصحية في الحصول على التحويلة الطبية وفي العلاج والرعاية والاهتمام، كما يتم في العديد من دول العالم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز